احمد احمد بدوي

47

من بلاغة القرآن

افترى الكذب على اللّه ، فنسب إليه كلاما ، لم ينزل به وحى عليه ، فقال في الرد عليهم ، هاتوا كلاما كاذبا كهذا الذي أتيت به ، فهو لم يتحداهم بالأساليب اللفظية فحسب ، ولكن تحداهم بما في القرآن من معان وخواطر ، فلو أن المعاني والخواطر التي يجيئون بها كانت خاطئة أو كاذبة ، ما صح أن تكون سورا مثل سور القرآن . وذهب بعضهم إلى أن وجه الإعجاز هو خلو القرآن من التناقض « 1 » ، وذلك غير مقبول أيضا ؛ لأن الإجماع منعقد على أن التحدي واقع بكل سورة من سور القرآن ، وقد يوجد في كثير من الخطب والشعر وغيرها ما يكون في مقدار السورة خاليا من التناقض . أما الوجه الذي نرتضيه لإعجاز القرآن ، فهو ما يتحقق في كل قدر من القرآن ، تحدى به « وهو أنه بديع النظم ، عجيب التأليف ، متناه في البلاغة إلى الحد الذي يعلم عجز الخلق عنه « 2 » » وقد شعر العرب أنفسهم بما في القرآن من سمو عن قول البشر ، فنسبوه إلى السحر ، فكأنهم يقولون إن القرآن لا يستطيع أن يقوله إلا من أوتى قوة خارقة ، وليست من جنس قوى البشر ، وقد وازن الباقلاني « 3 » بين القرآن وكلام العرب في وجوه ، نجمل بعضها فيما يلي : فمن ذلك أن نظم القرآن خارج عن المعهود من نظام جميع كلامهم ، فليس من الشعر ، ولا من النثر المرسل ، ولا المسجوع ، وإذا كنت أخالف الباقلاني في نفى السجع عن القرآن ، وأرى في بعض آية سجعا ، فإني أرى سجع القرآن يتخذ منهجا خاصّا به ، لا يشركه فيه سواه ، كما سنبينه عند دراسة أسلوب القرآن . ومن ذلك أنه ليس للعرب كلام مشتمل على هذه الفصاحة والغرابة ، والتصرف البديع والحكم الكثيرة ، والتناسب في البلاغة ، والتشابه في البراعة ، على هذا القدر من الطول ، وإنما تنسب إلى حكيمهم كلمات معدودة ، وإلى شاعرهم قصائد محصورة . ومن ذلك أن عجيب نظمه لا يتفاوت على ما يتصرف فيه من الوجوه : من قصص ، ووعظ ، واحتجاج ، وحكم ، وأحكام ، ووعد ، ووعيد ، ووصف ، وتعليم أخلاق كريمة ، وغير ذلك مما حواه القرآن ، بينما نجد كلام البليغ الكامل ، والشاعر المفلق ، والخطيب المصقع يختلف باختلاف الأغراض ، فمنهم من يجيد في الوصف دون الغزل ، ومن يحسن إذا رغب ، والآخر إذا طرب ، وغيرهما إذا ركب ، أما

--> ( 1 ) الطراز ج 3 ص 397 ونهاية الإيجاز ص 6 . ( 2 ) إعجاز القرآن ص 68 . ( 3 ) المرجع السابق ص 38 وما يليها .